الثلاثاء، 13 فبراير 2024

إلى رحيلك الغائب






لا منفى من هذا الشتاء الذي يضع عرشه الأكبر من البرودة في جوف الروح!

الشتاء مثل المدن الواسعة لا يؤتمن وأنا أراني يتيمة داخل هذه الوحشة الكبيرة! وما يُراعيني فقط هو صمته المطلق .

برودة ما تملأني، و تُشبع هذه المسافة بين قفازات الشامواه القطنية والطريق إلى قلبي بكلام مُثلج اسمع فيه انكسارات جليدية من أرضية الفؤاد أشعر معها باحتفالات الهزيم على أصابعي!

في البحور الداخلية للقلب يستولي الجمود على أي فرحة كانت، حتى على خيباتي وهزائمي الصغيرة وإشاراتي الخافتة التي لم يُعد يُشعر بها كما كان.

كل قفزة على كل هذه النداءات الآسرة تخبرني كم صرتُ مقصاة من حياة روحية بالغة الثراء، تلك الإشارات كانت تصيب قلبي بالفرح و تجعله يتدحرج في أجمل غيمة بنفسجية، لكن ما الذي يفترض من النص الدخيل على حياة ماضية التصريح به؟!

لا شيء سوى المزيد من الانكفاء نحو بوابات الانطفاء ونحو الأشياء الحزينة بداخلنا والانسحاب من المشهد الذي لم يعد جميلًا كما كان.

لا أعلم متى أكف عن الولوج إلى نطاق الذكريات واستحضار أغلى فتوحاتي في هذه الدنيا عندما كنت تعطي كل شيء لونه و بريقه  حتى أورقة المستشفيات ومحطات الدموع وحقائب السفر,, وجهك الذي لاينفك من دهشة الحياة والمُستخرج من العفوية النقية.

و لا أعلم كيف أنسى كل المشاهد الراحلة وذاكرتي لا تستطيع أن تسقط منها رجل لم يكن عاديًا أبدًا.

كم يأكلنا الندم عندما نُجعل ضمن الأشياء التي تلاشت من قبة القلب ونشعر في أرواحنا بهذا النوع من الدوار عندما نرى أنفسنا نهوي من أعلى حلمُ بشع.

هذا الشتاء في قلبي لم يهدأ منذ ظهر ذاك اليوم، لم يكف عن صناعة الصقيع الذي يجلد به حواسي ..

برحيلك انسحب كل الذين أحبهم و انطفأت كل الغيوم الطيبة، وتلبس واقعي قسوة لا تشبه إلا قسوة الموت نفسه.

حتى المطر يا سيدي، المطر ذاته ينزل على النوافذ و المسطحات والبرك وأجساد الناس هتانّا أنيقا، وعلى روحي بادراً وشجياً وحزيناً يتواطأ مع العزلة ضدي.

الأقدار أيتها الروح تكون أحيانا حادة لا نستطيع أن نخفف من حدتها أو نفعل حيالها شيء، تمامًا مثل قلوب الأخرين لا نقدر أن نرتب أنفسنا فيها كما نشاء ..

ولكن كان علي أن لا أدندن على خسارة محبتك في زمن لم يعد يرحم الخاسرين بل يذكرهم بفشل من نوع خاص. فشل لا يطاق و لا يُحرر القلب من ثقل المبررات.

لقد ضاعت مني التواريخ يا سيدي منذ أعوام وأنا أحاول أن أضبط نفسي في روزنامة تعتني بحفظ مواقيت القلب و لاينخرها شطط الفراق. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق