الاثنين، 21 سبتمبر 2020

 

فتحت عيناي إلى السقف مباشرة وفي اللحظة التي تليها سقطت أجفاني على بعضها، جسدي مُحملاً بالكدمات المعنوية و المادية، 
وعلى وضعية السكون كانت جميع أجزائي تنام بخدر يقظ ،
 التعب والوهن والإجهاد يطفو على الجلد وفي العميق تُقام معركة ذهنية، تتبارز فيها جميع الطيوف،
 العقل والقلب والروح و حتى المسام، الكل يعبر عن موقفه بطريقته، والجسد المصغي لخطوات الجوف 
لا ينهض وإن عد الحكم ثلاثًا .. 
 ‏يستفتح النطق الأخرس العقل صارخًا: ‏_آه "يوم آخر فوق هذه الأرض " لـ "غريق يتسلى في أرجوحة " 
 ‏يتقلب القلب في صخب مهذب وهو يحاول أن يجمع أشتاته قائلا: ‏_ ليس لدي " تصريح بالابتهاج " ما دمتَ واقعًا أرضًا هكذا مثل "البؤساء " ! 
 ‏العقل ينتفض إزاء هذه الإهانة من القلب، تمتلئ جبهته بالتجاعيد قائلا: 
 ‏_ أحتاج " مئة عام من العزلة " إلا ترى يا قلب أن " الخوف " و ‏"الجوع" تنشب مخالبها في كبود الجميع !؟
 ‏القلب قائلًا: ‏_ هل ستأخذ "مقعد على ضفاف السين" أو تلبس "هوية بأربعين وجهًا" حتى تُقاوم كل هذه "العواصف"؟!!
 ‏العقل ساهمًا في نقطة بعيدة: ‏_متى يحل النسيان؟  ‏
قال القلب : ‏_ عندما "نبعث آمالاً جديدة في عالم متغير " 
 ‏نظر العقل إليه و هو يكتم ضحكته ! قائلاً في سخرية: ‏_ عالم متغير ! لا حيلة للسجين إلا التأمل،
 أما الآمال فليس لدينا "شقة الحرية" حتى نحلُم بها ! 
 ‏القلب مدافعًا : ‏_ الآمال تتفتح في الحدائق زهرةً زهرة. 
 ‏العقل بصرامة جادة: ‏_ آه القلب و "أحلام يقظة الراحة" !
 ‏تدخلت الروح بغتة في هذا النقاش قائلة في إطراق: ‏_ لن ينجو أحد من النسيان، لن نتقدم و نحن نغوص في "تلك العتمة الباهرة "! ‏العقل بواقعية مفرطة: ‏_لا أدري إذا كان علي أن ابتهج ! 
 ‏يلتفت القلب إليه: ‏_ لا مجال للابتهاج لمريض بمرض "فيزياء الحزن" كأنت!  ‏
العقل : ‏_إني أحاول ساعدني !
 ‏القلب : ‏_من يقود من ؟!
 ‏رفعا نظرهما جمعيًا إلى الروح التي ظلت تَرف فوق الماء، ثم نظرت إليهما في عطف و كأنها افتقدت إحساسها بالتخصيص قائلة في تهدج : ‏_ يا أجزائي السيد القلب و السيد العقل من الممكن دومًا أن يوجد استثناء حتى في "الساعة الخامسة و العشرون" صدقوني ما زال هناك ما يبهج !
 ‏القلب يهتف في حدة: ‏_ أنا أتألم كثيرًا ربما أكثر منكما، "تجربة الألم" لدي أعمق و أقوى، أما أنت أيها العقل دائما ما تأتي فوق جراحي تنثر فلسفاتك حول كيفية "الإقالة من الحياة" ونظرياتك حول "الأحذية الإيطالية" و "الحب في زمن الكوليرا" !!
 اعترض العقل بشدة وهو يقول: ‏_ أتريد مني أن أراك كـ "ربيعً في مرآة مكسورة " و لا أتفلسف !؟
 ‏القلب في غضب: ‏_ لماذا لا تأتيني في البدايات !؟ لماذا حين أكون حطامًا تأتي و عليك "جلباب العابد" لتُخبرني بأنه "لا يحظى الجميع بنهاية سعيدة"؟!
 ‏الروح تأتي من جديد وهي مرفرفة قائلة : ‏_ على رسلكما، الواقع أن هذا الوضع مخجل جدًا و التشابك بينكما أو بيننا مريع و على درجة كبيرة من الارتباط ، لذلك الكل يعود إلى "الأصل" و الناس في الخارج "ملائكة و شياطين" و "الجحيم" مصير أولئك الذين يُضيعون قلوبهم و عقولهم ! 
 ‏رد العقل ضاحكًا: ‏_شكراً لك على زيادة الاختلاف فما كان ينقصنا سوى الجحيم !
 ‏رد القلب بنبرة تحمل الهدوء والألم معا: ‏_ لكن أيتها الروح عند "انكسار الروح" لا تنفع "ألف شمس ساطعة" لإصلاحها من جديد ،ففي كل منا "موت صغير" و "ذكريات ضآلة" لكن يجب أن "انتظر حتى الربيع" حتى استطيع رؤية المستقبل بشكل جيد. 
 ‏العقل بحدة: ‏_ كم أنت ثري المشاعر يا قلب، أتعلم أن لا شيء يقف أمامي حتى أذكرك بجرح قديم !
 ‏القلب: ‏_ تلك هي مشكلتك في "الحرب والسلم" تأتي دائما كـ "زورق مثقوب من جهة الغرق"!
 ‏العقل: ‏_لمَ لا تقول آتي كـ "طوَّق الطهارة" كـ "سقف الكفاية"؟! أنجيك من عاطفتك !؟
 ‏تدخلت الروح وهي تعلو مجددًا فوقهما قائلة بصوت نافذ: ‏_ الهدوء يا سادة من فضلكم، إنكم تعرفون جمعيًا ذلك الشعور المنبعث من الضيق و الوحدة و الخوف، نحن جمعياً و أولكم أنا بحاجة إلى الهروب إلى دفء صغير و إلى "أكثر من سلالم" حتى نرتفع جمعيا. ‏القلب يتكلم في انتهاء صبر: ‏_ أنا قد تعبت لابد لكل منّا أن يلزم دوره و لا يكن "قاتل بلا وجه"! 
العقل وقف مواجهًا القلب و هو ينظر إلى عينيه بصرامة: ‏_ " حين تترنح ذاكرة أمي" كنتُ أريدك الذاكرة، 
وحين كنتُ أبكي "في ساعة نحس" كنتُ أريدك الملاذ، وحين كنتُ أتوه في "عالم بلا خرائط" كنتُ أريدك اتجاهي! 
لكن للأسف نحن لا نلتقي إلا في فواصل قاسية.
 القلب يتأوه كأنه جُرح: أنك تقسو، ألستُ أنا من علمك "كيف تقع في الحب " وعلمتك اللحن "بالقرب من حدائق طاغور" و أنا أسستُ فيك "ثورة الفن و الجمال" و بكل شهوات التراب أُمدك باليقظة و شعور الخير و أخمد فيك نار الانتقام لماذا الآن تبدو بعيدًا عني ؟
 الروح قد أقلقها هذا اتجاه هذا الحوار فقالت في قوة: ‏_ توقفوا ! 
إن كل ما تقولون هو طبيعة أدواركم ويجب أن تؤدوها بشكل جوهري، إنه من الجيد أنكم لم تفقدوني، تخيلوا فقط لو ذابت أرواحكم في عالم من عدم، كيف ستعيشون؟
‏نظر القلب والعقل إلى بعضهما وقد علت ملامحهما نظرة خوف وهلع
 ‏فقال القلب مستدركًا: ‏_ أيتها الروح من أي المدارات أنت وكيف نصل إلى "الرمز المفقود" بيننا ؟
 ‏العقل في سؤال متسارع: ‏_ هل أنت بوصلتنا أيتها الروح!؟ هل أنت حقيقة أم زائفة أم متغيرة في عالم كله "عينان منكسرتان"؟ من أنت ِ؟ ومن نحن ؟ وكيف نواصل الحياة في "مدن الملح" هذه ؟
 ‏التفت القلب إلى الروح قائلاً: ‏_ ثم إن "كل الناس كاذبون" إلى أين نتجه الآن ومن يحُل "شيفرة دافنشي" هذه؟
 ‏قاطعه العقل في ذهول: ‏_ أشعر كأني " أليس في بلاد العجائب" من فرط حيرتي!  ‏
نظرت الروح إليهما بسلام وقالت: ‏_علينا أن ننطلق من مكان ما، و أن ننجو جمعياً من الإنحناء و "عناقيد الغضب" و "أشياء تتداعى" صغيرة كانت أو كبيرة ! ‏و لا تنسوا أن " النوم الأكبر " سيأتي، فلنكن محظوظين بوجودنا "على الطريق"

بعدها أفقت وأنا أسمع صوت الكتب تتهاوى من المكتبة على الأرض، لأني وضعتها على الرف بشكل مائل .  ‏


*جميع العبارات التي جاءت بين " " الأقواس عبارة عن أسماء كتب حقيقية . 

 #رباب_محمد

الأحد، 13 سبتمبر 2020

مرحبا نفسي : دعينا أولا نعقدُ صفقة هائلة لا تتأثر بالعواصف العاتية، نضع البنود لغد أشرق كما يقولون و لا نلتفت للوراء. لا داعي للتشاؤم الذي يهتك حرمة دواخلك، و كما يضر التدخين بالرئتين كذلك يفعل الاستياء بالروح .

 أرجوكِ يا نفسي لا تقاومي في عالم الفوضى هذا، يمكنك الوثوق أحيانا بالجمال "أحيانًا" لأن بعض الجمال خلفه صور تزدادُ هشاشة و قبحًا .

 عليك أن تستلمي، و اتركي الرضا يأتي إليك، ماذا فعلت لكِ المقاومة في السنين الماضية غير أنها جعلت منكِ جدارًا تحفر فيه المسامير بصمتها بقوة مع سيل الخدوش والندوب !

 لا تحزني على ما فاتكِ، لديك بقية حياتك لفعل ذلك أوصيكِ بشدة أن تبقي ساجدة إلى أن تدعين بصدق ! علينا يا نفسي أن نهمل أحاديث الناس التي يُحيكونها خلفنا، أليس مضحكًا ما يقوله الناس أحيانًا ؟ من الرائع أن نذهب إلى الأفق، أعلم أن الممر يعج بالمشكلات و أعرف أن احتمالات الخسارة تكون أكثر من فرص الفوز لكن دون أن ندري يأتي الفوز! فلنقتحم العوالم بهدوء نزرع داخل البؤر التعيسة قناعات للنضج وهي عدم الانتظار، الإلهام، و المشي و الرياضة و الروتين النسبي، ستساعدك هذه الأمور في عالم الكيمياء هذا! 

 مقَدرًا يا نفسي أن تشعري بأن من كان عليه أن يؤيدك و يعضدك قد تخلى عنك، هذا وراد في هذه الحياة التي قد تقلب الموازين و تجعلنا أحيانًا لا نعرف إلى أين نمضي. 

 بشدة، بإيمان، بعمق، و يقين احتضني قلبك، و لا بأس أن تتذكري أنه إذا ما قرر المرء في لحظة معينة من حياته أن يُفرغ ما في جعبته فعليه أن يفعل ذلك بأمانة شديدة.

 أوصيك نفسي ألا تقعي في ظروف تختبر الصبر، أن تجعلي الأحداث الطارئة للقلب تمر أمامك بكل بهرجتها و صخبها و استمعي لقلبكِ و عمقكِ! ليس عليك الوثوق بأحد يكفي أن تثقي بكِ لستِ مضطرة لتفسير نواياك تكفيك الثقة بصلاحيتها. 

 أعبد في عينيك هذه القدرة الخارقة على إقناعي بضرورة المقاومة لآخر رمق، لكن يا نفسي أحيانًا المقاومة لا تُجدي، تخلي عن إصرارك و تحليّ بالصبر قد يكون هذا الإصرار ممزقًا لنسيجك من الداخل. إيّاك يا نفسي أن تفقدي القدرة على التصرف الواعي لأنه إذا ما فقدها المرء تُصبح الحماقات منفذه الوحيد.

 اتركي النقد جانباً فالنقد يكتبه العاطلون عن الحلم، استمري في صياغة الأحلام و حتى إن كانت لا تتحقق، من الصعب يا نفسي أن نعيش بدون أحلام. 

 أعلم أنك تهشمتِ و بكيتِ حتى تلونت هذه الأمطار و جفت دموع الأيتام، أعرف أنك تحلُمين كم هو جميل أن نجد في المطارات من يستقبلنا في يده باقة ورد،

 أعلم أن أمنياتك عذراء قد طمستها أيادِ الحياة الخشنة بالرغم من هذا لا تفقدي أحلامك، لأن الحلم كفيلًا بأن يجعل العالم يلد على هيئة قصيدة ! لا تنكسري رغم الظروف الداعية لذلك، والعالم الذي لا يدخر جهدًا في رسم صورة كئيبة له على شكل كوارث و أوبئة و حروب ووألخ.. ادعو الله أن يجعلك فوق مستوى الانكسار و الانشطار، و أن يجعلك فوق كل من يريد الإساءة إليك. 

 يحق لك أن تكتبي ألمك، من حق أي كاتب أن يفعل ذلك، لكن احذري من المنزلقات فهناك بساطة جوهرية في اللغة لكنها بساطة زلقة ستؤدي بك وجهًا لوجه أمام أعتى أعاصيرك تلك التي تحاولين أن تُخفيها بممحاة الوعي. تلك التي تجعل ما شيء يفلتُ منك و لأن النفس البشرية تواقة إلى السيطرة على قشرتها الجسدية ،فلا تنساب يديك إلى هذا المنزلق من الأصل.

 احذري التهور، نحن هنا حتى نعمل معًا هذا التهور سهلًا مثل كل الأشياء التي تأتي لتُعقد حياتنا، حربي على تلك الأمور ليست مقدسة أو عادية لكنها عادلة.

 نتصور يا نفسي أن الأعطال و الأعطاب لا تُصيبنا لكننا في النهاية لسنا سوى مُحصلات لمّا كتبناه و ألفناه ووجدناه! هناك مزايا بالتأكيد لكن المزية كما يقول المناطقة لا تقتضي الأفضلية فالأفضل أن تعرفين نفسك جيدًا يا نفسي ! في الزحام أي أخر ستكونين أنت؟ لكِ كل الأرصفة و الحدائق والأزمنة و مواسم المطر و النهايات الجاهزة لكً النور و التصفيق، لكن هل لك أنا؟ حاولي أن لا نفقد بعضنا في غشاوة هذا الرحيل المضني.

 أعرف أنك دقيقة و مهتمة بالتفاصيل، هلّا مررتِ سراعًا؟ إن الأشخاص الأذكياء يسقطون رغم ذكائهم بسبب تفاصيل صغيرة، ماذا أضافت لكِ سوى أنها جعلت منك مجهرًا يقع على الألم و على مساراته و دروبه !

 قلبي يا نفسي قلبي رفقًا به، في زمن انتشرت فيه صناعة القلوب البلاستكية، رفقًا به في هذا الزمن الذي ينفع كل ما فيه حتى الأشياء الرخيصة ! دائما تتساءلين: أين نجد الراحة؟ هذا سؤال مبلول حتى الغرق بالكلاسيكية معبأ بالعادية حتى الوهن، كل الأشياء تحمل تصاريح الدخول إلى وقتنا بما فيها الراحة. وكل الأشياء بإمكانها حمل مزيجين معًا الضيق و السعادة الخوف و الأمن،هكذا الدنيا جُبلت.

 دائما تتساءلين أيضا لماذا في لحظة يائسة تتحول الكلمة إلى خنجر؟ تنصدع داخل أجوائنا تنحفر هناك بين الندوب و القروح و الرموز التي لا تُمس من فرط قساوتها؟ ألا نتوقف من كوننا مُتحدثين مثخنين بالألم في زمن أصبح فيه البكاء مألوف؟ و بدل أن تضحك أعماقنا من العطر المدوخ تذوب كمداً من لحظة كانت تُشبه أبي الهول في جبروته! 

 أعلم أننا أنا و أنت يا نفسي بحاجة إلى مزيد من الفرح لكن الثابت هو حزن الإنسان و مأساته و ليس فرحه. ألا إن شيء من اليأس لم يطف على السطح بعد و إن كنتِ في حاجة إلى شد أواصرك تجاه مد الحزن العالي. 

 دعينا نُقرر أننا نحمل معًا حزنًا صعبًا، كبيرًا لا تسعه النفوس الصغيرة و لكن شيئا ما سيحدث جميل و هائل نحنُ نُصلي من أجله. #رباب_محمد

الجمعة، 4 سبتمبر 2020

البوح من البرزخ

مرت على وفاتي خمس أعوام و نصف الشهر، 
مؤخرًا صرت أسمع السكون يأتي من عالم الدنيا حيث لا مبهجات و لا مشاريع قادمة و حيث لا أحد هناك ليتذكرني .
 أنا هنا أسبح في عالم هادئ ذو فراغ شاسع و برزخ مُتلون متصلٌ بأنابيب هائلة ليس لها قدرة على نقل الوقت أو المضي قُدما نحو هدفًا ما،
 فقط الصمت شعارًا نهائيا في أديم الأفق . 
جسدي تلاشى تبخر و انتهى أمره من الأسبوع الثاني لوفاتي على الأقل، كنتُ أراه يتقلص يوماً بعد يوم حتى لم يبق منه شيء يُذكر . أنا في عالم مُكتظ بالأرواح الهائلة لكن لسبب ما أجدني وحدي ،
 عفوًا أجدُ روحي وحدي و كأنها تُكمل ما بدأته في الدنيا من وحدة مفرطة لا يلفها إلا فضاء الحجرة الأخضر . 
لا تهمني الحياة الآن و لا أريد أن أضع قوائم أمنيات كي أحققها هنا و لا تثير بي الانجازات شعورًا باهظاً ، 
تعيش روحي دورها في الاستجابة لهذا المرور السريع المُتدافع إلى حيث نقطة نهائية 
سوف تكون مقرًا لإقامتنا الدائمة في عالم الأنوار و الظلمات هذا .. 
 أشعر بالملل و لكنه ليس بالمعنى الذي يفهمه الناس في الدنيا ليس بمعنى الاشمئزاز من الوجود!
 أشعر بالملل فحسب بدون قلبي بدون كياناتي التي أحب . 
عندما كنتُ في الدنيا أردتُ تصورًا واضحا لعالم البرزخ لكني لم أجد ما يُطمئن عقلي إذ أنه عالم من الغيب، ستارٌ كثيف من أنوار و ضياء وعتمة تمتزج بعضها ببعض . 
اليوم ، هل قلتُ اليوم ؟ 
لا يوجد هنا مكان الوقت نظرًا لإنعدام أفضل التعاريف، كل ما أقصده " الآن" أي اللحظة التي استشعر بها أن روحي تسكن هذا البزرخ . 
هذا المكان يشبه مرج لا نهائي شيء أشبه بالسُدم البخارية التي تظل عالقة هكذا، و أنا أشعر في قرارة روحي أن هذا الوضع لن يدوم. 
لا أعلم هل أفضّل الطيران بعيدًا أم النوم في مكان ما، هنا حتى الأمكنة لا يمكن أن تكتسب صفة إلزامية، كل ما أشعر به هواء أو نثار يمدني بشعور غامض لذيذ ومخيف . 
انفصلت عن جسدي و تجاوزتُ هذا المنعطف الأشد إيلامًا في حياتي السابقة، قد مت و أنا أعيش الآن حالة الموت هذه، الجسد الذي كان يُغطي روحي في الدنيا صارسرابًا مجرد حطام أو شذرات تحولت إلى نقاط فضية هشة تطير كلما واجهها السديم .
 روحي الآن طائرة أحيانا تتلقفني لأحس بها في وجه أعاصير عظيمة، أحيانا تتفتت تُضرب إلى العمق ثم بعد لحظة أشعرُ بها أنيقة ناعمة مُتراصة كـ فروة قط راغدول!
 أصبحت أرى بأصابع روحي يبدو أن الرؤية بالأصابع مهارة تُكتسب في عالم البرزخ، أعتذر قد يُفهم كلامي أن هناك قواعد مُعينة أو أسلوب حياة كل ما اعرفه أن التناثرهو ما تحسه أرواحنا .. 

عرفت أناس كُثر هنا أقصد أرواحًا كثيرة لكني ما زلتُ في حاجة إلى من يهزني بعمق يُشعرني أن روحي ستكون بخير و في مأمن . روحي متحررة، 
,بما يخص الألم كان لدي منه أكثر مما يلزمني في الدنيا أما هنا فهو يأتي على دفعات بسيطة أحيانا و أحيانا أخرى ضخمة لكنه يدعني و شأني في النهاية . 
و بينما أنا أطير أو روحي تطير فجأة لمع شيء في ذهني شيء كنتُ أعرفه أردتُ أن أتشبث به بكل ما أمكنني من طاقة، مر من ناحيتي فشعرت بالاطمئنان خمنتُ أنه قد يكون ريحًا طيبة انتقلت حديثًا هنا ..! 
أشعرُ بأنني بدأت أن أنسى قد يكون هذا من مسوغات الإقامة في هذا المكان قد أنسى اسمي ! فالخيال شبه معدوم هنا و أيضا التذكر إذ لا حاجة للأموات للتذكر !  فقط نحن نتذكر من يتذكرنا ..
 أريدُ أن أتذكر كيف جئتُ إلى هنا ؟
 كيف توفيتُ و انتقلت إلى العالم الآخر ؟ 
الشيء الذي لا أنساه أني كنتُ لا أخشى الموت و لكني كنت أخاف الطريقة التي سأموت بها ..
 كان كل ما أريده تأمين موتٍ رقيق لي دون تشوهات و دون أن أضع في قلوب من حولي ماسأة دائمة ..
 آه يبدو أني تذكرت كيف أتيتُ إلى هنا، لقد عثر الأطباء في دمي جرعة فائضة من ذكريات مسمومة ففاضت روحي على أثرها، أتذكر حين كتبوا في شهادة الوفاة هذه الإفادة : قد توفيت بسبب ارتفاع في نسبة الأدرينالين مما أدى إلى زيادة نبضات القلب في الدقيقة السبب الذي أدى إلى الوفاة .. 
ثم أكدوا ذلك بالساعة و اليوم و التاريخ .
 من الممكن أنني غادرتِ الحياة الدنيا في وقت مبكر نسبيًا لكني لا أحزنُ على ذلك لأنني طالما اعتبرتُ الموت لقمة ناشبة في الحلق، آهة علي أن أؤديها، شيء صعب يجب أن أقوم به ثم أرتاح بعدها، اختبار من المهم أن احضره ثم ليكن بمقدوري بعده أن أعيش، لنرَى !
 أعود إلي في البرزخ، أتذكر من يعودون إلى بيوتهم في الدنيا و يجدون من يفرح بهم و يعيد إليهم إنسانيتهم، 
هنا أستشعر و قد أتأكد لأول مرة أن للذاكرة رائحة ليست ككل الروائح، تعمل ذاكرتي في محيط منفصل عن روحي، لا أعلم إن كنتُ أسيطر على أجزائي أم لا في هذا العالم الخالي من التضاريس أو من أي شيء يمكن الإتكاء عليه . 
و أنا أعيد فتح سجلات الذاكرة بصعوبة بالغة، التذكر هنا مهمة شاقة لا أعلم أين من أحب ؟ 
لماذا بهتت أصواتهم ؟ 
كنتُ أعزي روحي أن أمور الدنيا و إلتزاماتها تنزع الفرد حتى من نفسه، تمنيت في تلك اللحظات لو أن هناك جبالًا في البرزخ ألوذ إليها بروحي الهشة .
 جئت إلى هذا العالم و ما زلتُ أحفظ ما ترمز إليه تلك الغيوم في الدنيا إذ اسمع همسًا يعبر عنها قائلا: إن تلك السُحب تعني حبًا خالدا و هوى شديدًا لا يمكن أن يدوم طيلة العمر و لا يمكن اصطحابه إلى هذه المناطق الباردة .
 قد أصر على وحدتي في هذا العالم ولا أعرف مالذي يدعوني إلى التمسك بهذه الثيمة ؟! 
أو هو الغموض الذي يلف عالمي الجديد أو الشعور بأن روحي ستظل هائمة إلى أن تقوم القيامة و يعود جسدي إلي ! 
مرة أحسست بالفزع الشديد لكن غيمة ممطرة تتوالى علي تخبرني أن ما من شيء يطمن القلب مثل العودة إلى الله، كانت روحي تبكي مصابة بخيبة ممزوجة بفرح دفين حين استشعرت أن بإمكاني أن أعود إلى الله و أنه سيكون ضمادي في رحلتي الشائكة تلك،
 خيبة من الزمن المطفأ و فرحة بأن الله معي . 
 كنتُ في الدنيا عندما يُحاصرني الفقد استنجدُ بعزلتي بالمخبأ بالكتب، كنتُ أدرك بعمق شديد أن أكبر حماية من الجنون و الموت المجاني هو الكتاب، 
أنا الآن أقرأ في كتاب روحي، و كتب عالمنا كتب نوعية خالصة لكل روح قد لا يكون بينها قصائد شيلر التي تزيد قلبي هشاشة . علمي محدود و قاصر حتى في الزمن الذي بوسع الأرواح أن تعرف أكثر،
 لكن هنا ميزة و هي أن كل شيء يبدو واضحًا كالماء، فالفضاء محسوس و السديم و الدخان الذي يحيط بنا يدخل إلى الرئات، ينفض عنا غبار الدنيا و سقمها و عدم أهليتها بما نواجهه الآن . 
هنا كل شيء يتغير كلما قدمت أرواح جديدة إلى البرزخ 
التغيير ليس صفة للأشياء بل أسلوب وجود . 
قد تكون روحي بعد عدة أعوام ليست ما هي عليه الآن، يحوطني يأس يجعلني بحاجة دائمة إلى الشعور بالآمان، الطيران بدون جسد يجعلني ارتعد لأن الجسد هو جزء من الروح الواقعة ضمن مداركنا الحسية . 
ما أجمل أن تحس بكل شيء حولك إنه أشبه بأن تكون صبرا استشهد حين تولت سُبل الفرح إلى الأبد .
 و من ثم ما هو الأبد ؟
حسنًا لا يمكن قول الكثير عن نظرة ما ! نعم الأبد مجرد نظرة أو قفزة يمكن الروح أن تشعر أنها بلغت ذروتها داخله ثم انطفئت.. 
قد يعتقد الدنيويون أن مثل هذه العبارات رنانة، و عندما يتفلسفون يعمدون إلى نسيان كل شيء مألوف، إذ لا وجود للأبد في حيز وقتنا الطائر هذا .. 
يحين الوقت لكي تخرج كل روح سيرتها الذاتية و الصمت المطبق على الأرواح يساعد في ذلك حيث نمضي جميعنا إلى متاهة السكون المطلق . يمرني حزن مضيء متداع بذاته فحسب، حزن يحتل كل شيء حتى دواخل الأرواح الطفولية، لكنه يتلاشى في حالة إن تذكرنا أحد من سكان الدنيا .. 


 #رباب_محمد