الخميس، 29 سبتمبر 2022

ليتني شجرة

يا ليتني شجرة لا آبه ! إلا بهذا العيش الطويل .. تمر الكائنات حولي يباركون هذا الوقوف العزيز ! يشغلني المُضي فقط، المضي بلا نهاية ليس علي أن أتعلم متى أتباهى ومتى أتراجع ! و حين أموت لا يوجد جدار في غرفتي فقط سراب أو انعكاس سحابة أو ستار خفيف من أوراقي المتساقطة ! ليتني شجرة لا أتحطم بجسدي وروحي في هذه الكتلة الاسمنتية ! لا تطاردني الدروب و أنا وحدي .. و لستُ مثقلة بكمية من البلاستيك و النوايا الاصطناعية! ليت لي قدر شجرة ! امتدادي تعبر السور و لن أشعر أثناء العبور إلا بلمسة باردة على خشبي ! لن تُطالبني الدنيا بفواتير الماضي فهي مُرهِقة من الناحيتين ! و لن أطالبها بثمن كذبة مُهدئة طمأنتني بها حِيال المستقبل ! ليتني شجرة لا أحزن على الرحيل بينما الربيع على وشك الحلول ! و لا أخاف أن تضل لغتي و تضل العنوان و تطرق الباب الخطأ ! و لن استحق الرثاء يومًا ما لأني بقيتُ على قيد الحياة ! ليتني شجرة ! حتى لا أعرف إلى أين تمضي بي أفراحي و لن تحظى الدنيا بتخليد معقد لي في الدوس التعليمي : كيف أكون من قراصنة الخوف ! و حتى ينتفي شعوري حول الفقدان و حضوره الشهي ! و بوسع الجرح أن يكون مهرج يضحك على النسيان ! و لن يكون الألم إجباري بالنسبة إلى ضمير كبير و قلب عميق .. ليتني شجرة كي لا أكون كبريتاً عندما يرتطم به صوتك فتشتعل النار ! و تتساقط دواوين الشعر أمام زحف الحرائق ! و لن أشعر بحزني لأني تخطيتُ عتبة البراءة بإتجاه الدينا مجبرة ! وددتُ لو كنتُ شجرة ! اشرب ماءً المطر و هو يغسلني لا يفتنني حزن وجوه الغرباء و هي تلتصق بغبار النوافذ و لا السحب التي تكتب تاريخ البحار و لا أقع ضمن دوائر تستفز جغرافيتي! أحلم أن أكون شجرة ! اقترح للقصيدة أن هناك أحلامًا قوية لا تحتاج الصبر لأن الصبر يدمر ! يحول الانسان في النهاية إلى حجر ميت ! و هناك في عليائي لستُ بحاجة إلى أن يكون موتي قاسيا ! و لستُ بحاجة الانتظار في حزن كرسالة لم تصل ! كوحيدا .. كفزاعة عصافير .. ليتني شجرة .. حتى لا أخجل بسهولة و لا يكون وجعي موسوعة شاملة للتدبر ! أُضيء في البعيد تاريخ منسي لن يتذكره أحد ! أقبض على النور في نغمة المطر الذي يغسل الأشواق المنكسرة و الحزن ... #رباب_محمد

الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

إلى نفسي

مرحبا نفسي : دعينا أولا نعقدُ صفقة هائلة لا تتأثر بالعواصف العاتية، نضع البنود لغد أشرق كما يقولون و لا نلتفت للوراء. لا داعي للتشاؤم الذي يهتك حرمة دواخلك، و كما يضر التدخين بالرئتين كذلك يفعل الاستياء بالروح . أرجوكِ يا نفسي لا تقاومي في عالم الفوضى هذا، يمكنك الوثوق أحيانا بالجمال "أحيانًا" لأن بعض الجمال خلفه صور تزدادُ هشاشة و قبحًا . عليك أن تستلمي، و اتركي الرضا يأتي إليك، ماذا فعلت لكِ المقاومة في السنين الماضية غير أنها جعلت منكِ جدارًا تحفر فيه المسامير بصمتها بقوة مع سيل الخدوش والندوب ! لا تحزني على ما فاتكِ، لديك بقية حياتك لفعل ذلك أوصيكِ بشدة أن تبقي ساجدة إلى أن تدعين بصدق ! علينا يا نفسي أن نهمل أحاديث الناس التي يُحيكونها خلفنا، أليس مضحكًا ما يقوله الناس أحيانًا ؟ من الرائع أن نذهب إلى الأفق، أعلم أن الممر يعج بالمشكلات و أعرف أن احتمالات الخسارة تكون أكثر من فرص الفوز لكن دون أن ندري يأتي الفوز! فلنقتحم العوالم بهدوء نزرع داخل البؤر التعيسة قناعات للنضج وهي عدم الانتظار، الإلهام، و المشي و الرياضة و الروتين النسبي، ستساعدك هذه الأمور في عالم الكيمياء هذا.. مقَدرًا يا نفسي أن تشعري بأن من كان عليه أن يؤيدك و يعضدك قد تخلى عنك، هذا وراد في هذه الحياة التي قد تقلب الموازين و تجعلنا أحيانًا لا نعرف إلى أين نمضي. بشدة، بإيمان، بعمق، و يقين احتضني قلبك، و لا بأس أن تتذكري أنه إذا ما قرر المرء في لحظة معينة من حياته أن يُفرغ ما في جعبته فعليه أن يفعل ذلك بأمانة شديدة. أوصيك نفسي أن لا تقعي في ظروف تختبر الصبر، أن تجعلي الأحداث الطارئة للقلب تمر أمامك بكل بهرجتها و صخبها و استمعي لكِ و عمقكِ! ليس عليك الوثوق بأحد يكفي أن تثقي بكِ لستِ مضطرة لتفسير نواياك تكفيك الثقة بصلاحيتها. أعبد في عينيك هذه القدرة الخارقة على إقناعي بضرورة المقاومة لآخر رمق، لكن يا نفسي أحيانًا المقاومة لا تُجدي، تخلي عن إصرارك و تحليّ بالصبر قد يكون هذا الإصرار ممزقًا لنسيجك من الداخل. إيّاك يا نفسي أن تفقدي القدرة على التصرف الواعي لأنه إذا ما فقدها المرء تُصبح الحماقات منفذه الوحيد. اتركي النقد جانباً فالنقد يكتبه العاطلون عن الحلم، استمري في صياغة الأحلام و حتى إن كانت لا تتحقق، من الصعب يا نفسي أن نعيش بدون أحلام، هذا ما قالته السيدة أمينة لنوار، ذاك المسلسل الكرتوني الذي تعشقينه جدًا.. أعلم أنك تهشمتِ و بكيتِ حتى تلونت هذه الأمطار و جفت دموع الأيتام، أعرف أنك تحلُمين كم هو جميل أن نجد في المطارات من يستقبلنا في يده باقة ورد، أعلم أن أمنياتكِ عذراء قد طمستها أيادِ الحياة الخشنة بالرغم من هذا لا تفقدي أحلامك وجمالك، لأن الحلم كفيلًا بأن يجعل العالم يلد على هيئة قصيدة ! لا تنكسري رغم الظروف الداعية لذلك، والعالم الذي لا يدخر جهدًا في رسم صورة كئيبة له على شكل كوارث و أوبئة و حروب ووألخ.. أدعو الله أن يجعلك فوق مستوى الانكسار و الانشطار، و أن يجعلك فوق كل من يريد الإساءة إليك. يحق لك أن تكتبي ألمك، من حق أي كاتب أن يفعل ذلك، لكن احذري من المنزلقات فهناك بساطة جوهرية في اللغة لكنها بساطة زلقة ستؤدي بك وجهًا لوجه أمام أعتى أعاصيرك تلك التي تحاولين أن تُخفيها بممحاة الوعي. تلك التي تجعل شيء ما يفلتُ منك و لأن النفس البشرية تواقة إلى السيطرة على قشرتها الجسدية،فلا تنساب يديك إلى هذا المنزلق من الأصل. احذري التهور، نحن هنا حتى نعمل معًا.. هذا التهور سهلًا مثل كل الأشياء التي تأتي لتُعقد حياتنا، حربي على تلك الأمور ليست مقدسة أو عادية لكنها عادلة. نتصور يا نفسي أن الأعطال و الأعطاب لا تُصيبنا لكننا في النهاية لسنا سوى مُحصلات لمّا كتبناه و ألفناه ووجدناه! هناك مزايا بالتأكيد لكن المزية كما يقول المناطقة لا تقتضي الأفضلية فالأفضل أن تعرفين نفسك جيدًا يا نفسي ! في الزحام أي أخر ستكونين أنت؟ لكِ كل الأرصفة و الحدائق والأزمنة و مواسم المطر و النهايات الجاهزة لكً النور و التصفيق، لكن هل لك أنا؟ حاولي أن لا نفقد بعضنا في غشاوة هذا الرحيل المضني. أعرف أنك دقيقة و مهتمة بالتفاصيل، هلّا مررتِ سراعًا؟ إن الأشخاص الأذكياء يسقطون رغم ذكائهم بسبب تفاصيل صغيرة، ماذا أضافت لكِ سوى أنها جعلت منك مجهرًا يقع على الألم و على مساراته و دروبه ! قلبي يا نفسي قلبي رفقًا به، في زمن انتشرت فيه صناعة القلوب البلاستكية، رفقًا به في هذا الزمن الذي ينفع كل ما فيه حتى الأشياء الرخيصة ! دائما تتساءلين: أين نجد الراحة؟ هذا سؤال مبلول حتى الغرق بالكلاسيكية معبأ بالعادية حتى الوهن، كل الأشياء تحمل تصاريح الدخول إلى وقتنا بما فيها الراحة. وكل الأشياء بإمكانها حمل مزيجين معًا الضيق و السعادة الخوف و الأمن،هكذا الدنيا جُبلت. دائما تتساءلين أيضا لماذا في لحظة يائسة تتحول الكلمة إلى خنجر؟ تنصدع داخل أجوائنا تنحفر هناك بين الندوب و القروح و الرموز التي لا تُمس من فرط قساوتها؟ ألا نتوقف من كوننا مُتحدثين مثخنين بالألم في زمن أصبح فيه البكاء مألوف؟ و بدل أن تضحك أعماقنا من العطر المدوخ تذوب كمداً من لحظة كانت تُشبه أبي الهول في جبروته ! أعلم أننا أنا و أنت يا نفسي بحاجة إلى مزيد من الفرح لكن الثابت هو حزن الإنسان و مأساته و ليس فرحه. ألا إن شيء من اليأس لم يطف على السطح بعد و إن كنتِ في حاجة إلى شد أواصرك تجاه مد الحزن العالي. دعينا نُقرر أننا نحمل معًا حزنًا صعبًا، كبيرًا لا تسعه النفوس الصغيرة و لكن شيئا ما سيحدث جميل و هائل نحنُ نُصلي من أجله.. #رباب_محمد