الخميس، 6 أبريل 2023

لا أعرف كيف يكتب المرء حزنه!
لا أعرف إن كان بإمكانه أن يفعل ذلك! 
أعتقد أن الحزن الأصيل المتأصل بالروح لا يُكتب، ليس بمقدور أحد أن ينسخه كما هو ثم يرصده على ورق مكون من أسطر فارغة تقرأ بأبجدية خانقة.
إنه شيء كالصراخ المستطيل أو مثل النار لا تُمسك، فقط بمقدور المرء أن يشعر بمرارته، وإلى أي حد تصل حرائقه.
 
هناك أمور تستعصي على الكتابة، ليس لأن الكتابة لا تقدر أن تصف الإحساس بل لأن هذه الأمور خارقة للكلمات، 
مُتوجسة مُتأهبة للانصياع داخل أنابيب الروح تحب أن تمر بصمت بدون إذاعة
أو حتى لحظة تأمل! 
الحزن يتمرد على الأصابع إنه لحظة ثخينة على القلب تتأزم فيه العواصف والعواطف
ولم تكن هناك استجابة لأي ألم يؤجج نيرانه إلا بالصمت المعبر المؤثر الذي يُشعرك وأنت تنظر إليه بمدى الرغبة الهائلة للاختفاء والضياع في سجلات الموتى.
يالصمت أولئك الذين يلمعون!
يزورهم الحزن بخفة هائلة كأنه يشنقهم في الداخل ولم يبق لديهم على السطح إلا البريق الهادر المستخدم 
بواسطة سخان عاتي قادم من الخوف والجوف!
ليس بالاستطاعة كتابة آهة جهيرة عميقة صادقة دون أن يكون هناك تنازلات مشروطة على أهبة الروح،
لأن الحزن لا يعرف المقدمات أو الهبات أو الإسقاطات من شخص إلى آخر. 

 وهذه التنازلات قد تكون جسيمة بالنسبة إلى غرض مثل الحزن ليس عابر ولا عرضي ولا صوري يتنزه خلف طبع اكتئابي أو عُصابي زائل.
الحزن قد يكتبنا ولا نقدر أن نكتبه إلا في حالات ضيقة وفي نزوات هائلة لا تغتفر قد تكون انهيارات في جُدر القلب، 
ولن يسعف هذه الانهيارات سوى مزيدا منا لتداعيات في أطر الروح.
إنه مثلا يهجم على امرأة قوية فقدت قدرتها فجأة على اتخاذ أي قرار يحتويها في صمته الهائل الشاسع و تُجبر في جبروته أن تنام على أفق مملوء بالجراح. أيضا بإمكانه أيضا أن يسدد ضربته إلى قلب امرأة تعتز بثقافتها الواسعة قدر اعتزازها بجمالها الساحر لا يمنحها مجرد التنفس في حضوره القاتل فتضطر سيدة الشأن الكبير ونصاعة الأحلام إلى أن تموت تجمدا على جليد أملس لا يعرف كيف يصير ماءاً عذباً!

كيف نقيس الضرر في حضرة الحزن؟
هل لديكم طريقة عادلة لفعل ذلك؟

هذا السؤال يقودنا إلى السؤال الكبير في بداية هذا الهذيان: كيف يكتب المرء حزنه ؟
هناك علاقة بين السؤالين تقوم على الدمع والهروب كلاهما متوازيين لكنها يلتقيان! ماذا نريد من الحزن بحكم أنه عامل مؤثر في حياتنا بحكم أنه يجتاحنا ولا نجتاحه، بحكم أننا نقع تحت طائلته وقد لا يحدث العكس ؟! 

الممعن في تنظيف عتبات أبواب الحزن قد يستغل هذا التساؤل المخيف في إذابة كل الأشياء التي تنفع حتى تلك التي لا تنفع! نحزن لأن ما حلمنا به ما عجزنا عن تحقيقه لا يتحقق، ولأن للحزن نور شفيف يطلقه في كل القلوب السائرة نحو أجرام لا تنتهي. 
يتمكن منا هذا الحزن عندنا تؤصد الأبواب نحو الأماني المستحيلة بقفل عالي الجودة،
ما يفترضه الحزن يمكن التصريح به، لذلك نشعر في أحيان كثيرة أننا خسرنا نداء نقيا كان يحفظنا من الانكسار ومن أنفسنا.

خلف بساطة الحزن الظاهرية بئر عميقة لا تمنح الماء إلا لمن فهم ذلك المعنى،
فهناك من يمنح أسرار الحزن وهناك من يظل كل عمره يحزن بلا شيء. 
في نطاقه ستتغير المفاهيم لأنك تحت لهيبه لستَ عاجزًا وبالمقابل لستَ قادرا على كل شيء، وفي هذه اللحظات بالذات أنت على أتم استعداد من أجل الذهاب والمغادرة، لا يهم إلى أين، المهم أن تغادر من سياجه بأي تكلفة كانت.

الحزن المرير الذي لا يُكتب يسمح لنفسه بالسقوط في قلبك مثل البذور هو
ضد المقاييس الصغيرة يحب دومًا الأفعال العظيمة 
ومن ثم وبعد ذلك ليس بالضرورة أن يكون واضحا وطبيعيًا، 
قد يكون حقيقيا بما فيه الكفاية.
رباب محمد