الثلاثاء، 1 أغسطس 2023

 سأكتب لك بعضًا من سحر مدينة النماص..

مدينة جبلية، يسودها طوال العام الجو المائل للبرودة، حتى في عز الصيف نحن أحياناً نضع البطانيات في الليل ونوقد المدافئ.
يأتي على النماص مواسم من السنة يكتنفها الضباب العميق والكثيف، الذي لا يرى من خلاله الشخص ما الذي أمامه، يطلقون عليه هنا اسم (العماه).
في فصل الشتاء تنتابني الهيبة من صمت المدينة الطويل وسكوت القرى وذهابها إلى النوم مبكراً، أذ لا يرافق السُمار سوى لهيب الشاي اللذيذ ودموع النوافذ الطويلة والعريضة..
الشوارع تهدأ بحلول الساعة 8 مساء وكأنك تتجولين في مدينة يُعد أفرادها على الأصابع..
لكن بحلول فصل الصيف _ المائل للبرودة أساساً _ يتغير الحال لتصبح النماص مدينة حية نابضة لا تنام.
فأنت ترين أن الجبال ممتلئة بالسياح وخيامهم ومواقدهم وسياراتهم، رغم وجود المخلوقات الشرسة "كالنمر العربي" فكأنها تعلم أن هذ الوقت للقادمين من خارج النماص الهادئة،
وفي السهول ترين وبصورة كبيرة العربات المتنقلة (الكرفانات) التي لا يخلو سهل منبسط أخضر منها.. بعضهم آثر الإقامة جنبًا إلى جنب المناحل العسلية.
المقاهي تشتعل بالرواد والمنتزهات الجبلية التي تطل على أودية سحيقة يقال لها (تهامة) في عُرف النماصيين لا تكاد تجدين بها موطأ قدم من شدة زحام المصطافين.
و متاجر الشاي المتوفرة بكثرة في المدينة الوادعة تمتلئ ويشتد عليها زحام السيارات في طوابير طويلة، لفت نظري كثرتها كأنها تعكس أمزجة الناس هنا فالشاي هو الذي يمنحهم سعادة داخلية، إنه المشروب الأول هنا❤️
القرى النائمة توقد أنوار أسوارها وبيوتها كأنما تتأهب للسياح القادمين، فتجدي أن المشاركة المجتمعية للسكان المحليين تعكس بهجة وجود المصطافين، فأنت مثلا تمرين على واحدة من القرى المأهولة بالخيرات والنخيل والآبار لترين أن كل بوابات البيوت مفتوحة على مصراعيها ولا تُغلق إلا في حال النوم أو لرحيل أصحابها, كناية عن الترحيب والنجدة أيضا في حال لو دخل أحدهم سائلا عن الطريق أو تائها عن دربه, حتى أن أحدهم يحرج من شدة التزام أهل البيت بالضيافة فكيف يدخل تائها ولا يشرب حتى فنجانًا من القهوة ..!
هذا ما لا يحتمله الأهالي هنا، الكرم المسبوغ بفطرة الممزوج بواجب نقي لا تحتمله الاعتذارات والاعتبارات.
هنا يدرك الجميع ما يناسبهم وعلى ضوء ذلك ارتسمت حدود ثقافة مجتمعية انعكس أثرها على النمط المعيشي هنا.
دائما نرى أن الضيافة بكافة أحوالها مُستَعد لها، ففترة العصر مثلا تعبق البيوت برائحة الهال والبن الأصيل، الأرغفة الجنوبية الحارة مع السمن ذو الجودة العالية والعسل المستخرج من أنقى مصافي العسل علامة كرم على مائدة الضيافة الجنوبية ولا يكاد يخلو بيت منها إلى جانب أنواع كثيرة من التمر والرطب.
فترات اليوم بأكمله حُبلى بالضيوف من أي مكان وبدون أي مناسبة، فلا تكف الأمهات وربات البيوت ممن إعداد الشاهي بأنواعه الحلو والمر والمحبق والمنعنع والمزدان باالبردقوش و من إعداد القهوة أيضا بكافة أنواعها المليئة بالزنجبيل أو المحموسة على جمر مقتد.
لابد أيضا من تجديد الفناجين طوال اليوم وغسلها لتقديم واجب الضيافة لأي عابر سبيل فنرى بعضهم من أسس مطابخ متكاملة مصغرة في أفنيتهم وعلى ساحات بيوتهم المطلة على الشوارع الريفية.
هنا ترتبط الضيافة بمقومات الوجود الضروري وتعتبر حاجة ملحة للعيش في الريف أو حاضر المدينة.
كما لا يفوتني أن أخبرك أن السكان هنا يتعارفون فيما بينهم إذ لا يُستبعد أن يقابل الجار جاره في سوق ما أو شارع, أو أن يقابل العم أولاد أخيه على صعيد شعف أو في صيدلية ما .
العلاقات هنا متقاربة بوسعها الكشف عن نفسها بصورة اجتماعية قوية ورصينة.
فهنا يتعارفون على بعضهم ويميزون الضيوف القادمين من خارج المنطقة.
نجد أيضا أن ثقافة الأهالي الأصيلة توجهت إلى بناء الفنادق الريفية وتوسيعها. وزيادة المشاريع السكنية وذلك بدعم وتوجيه من قيادات المنطقة، وطلبًا في تعميق البنية التحتية وتقويتها بحيث تكون مناسبة ومتكافئة للزوار الذي يزداد عددهم في كل سنة.
إذ أن المنطقة هنا بحاجة إلى تعميق المستوى الصحي، وفرض المزيد من التقيد بضوابط الحركة والسير وأيضا بحاجة إلى بث المكتبات في أنحاء النماص الهادئة والوادعة.
العيش هنا يعيد الإنسان إلى نفسه، التوحد التام مع الطبيعة الحية يضئ الروح ويغسلها من شوائب التعب.
الأصوات القادرة على الدخول من اسمنت الجدران وحديد النوافذ لها المقدرة التامة على جعل المرء يتأمل ويسترخي.
غابات من الأبنوس تتهادى في موسيقى كونية تمنح السامع أحاسيس طرية نقية منسوجة من التنوع البيئي الرهيب الذي تحتضنه المنطقة.
جماليات تتألق على مد البصر، الماضي الحاضر بقوة يساند النماص روعة وحضورا ومستقبلاً،
المرء هنا مؤهل لبلوغ نعيم التأمل والهدوء النفسي..
بالنسبة إلى إنسان النماص فهو يتأثر بالطبيعة من حوله ولا شك، الجبال هنا تعكس معانيها على قيم الناس وسلوكياتهم، السحاب في متناول قطف اليد بإمكانك الإحساس به في قلوب اختصها الله بالنقاء والفطنة.
عدا ذلك فالناس محكومون بأصولهم وما تُمليه عليهم التربية والخلق، فالخير والشر كان ولم يزل مركونا في النفس البشرية أيا كان موطنها وانتماءها وسلالتها وعرقها.
النماص أبهة من الجمال الخام، غابة من الشجر تنسدل على كتفيها السحابتين، الجغرافيا هنا وعرة وسيمة صعبة أعشقها، أجدني أكثر ولاء للأرض المغروسة بالجبال المتنهدة بالصخور والينابيع المضيئة بنقيق الضفادع، المزدانة بالخشب اليدوي الذي تحول مع مرور الأيام إلى متاحف ومآثر، أجدني ألوذ بالنباتات العشوائية التي تخترق الصلب لتنمو في رقة ووداعة وجمالا وقوة، كل شجرة هنا هي صديقتي استعذب وجودها وأتمنى لها مستقبلا واسعًا من الخضرة..
وحينما أمر بالشجر المحروق في جبال مرير عام 1443 أسبل عيناي في أسف كبير وأتمنى أن يعالج الشجر نفسه ويسترد عافيته حتى لو كان ميتًا..
انتمي إلى السحاب المتبختر بجمال لا يُحد، الحواس هنا تستعيد صحتها في الطبيعة الريفية الواسعة والمدنية الفتية دوما، الخضراء على الدوام.
 

من مقهى لافيل المطل على مرتفعات النماص الشاهقة.
 رباب محمد 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق