الأحد، 8 نوفمبر 2020

حجرة واسعة في كل ركن بداخلها انتظم سرير من حديد يسكن فوقه جسد متعب منهك يعيش خارج حدود عالمنا، ما يربطه بنا بضعة أسلاك متصلة بمجسات تطلق صفيرا منغومًا أشبه بصوت الموت . كنتُ أمرُ على هذه الحجرة البائسة مرارًا بحكم إقامتي الجبرية في مكان قريب منها. كنت ألتوى حين أضطر أن أُشاهد هذه الأجساد الهشة المربوطة بإحكام على تلك السرر البيضاء والخراطيم التي تتدلى من تحتها وفوقها. هيمنة عجيبة لسلطة الأسلاك ولغة الأرقام، وتحكم عالي من التنفس الصناعي على أجواء الحجرة المريضة. أشدُ على عضلات قدمي أن تولي هاربة قبل أن تُغرق دموعي ما تبقى من مساحات في وجهي لم تصلها بعد. يومًا بعد يوم ولمدة أسبوع كامل كنتُ أتقن المرور السريع على هذه الغرفة الممتلئة بهواء حزين يُخيم على أجساد هزيلة وضعيفة . "نظراً" للاعتياد اليومي ولمساحات المشي التي تجعل كل شيء تحت نطاق الرؤية، قلّت لدي نسبة هذا الحزن كأنما عيناي رضت هذا الاعتياد وألفته باطنيًا دون موافقة فعلية مني. خشيت أن يصاب قلبي "بالعادية" و أن تصاب عيني بها لفرط ما تكرر الأمر حتى أصبح كالروتين اليومي. رأيت بعض الأشخاص يُقيمون في هذا الحجرة بما حوته من أجهزة وأنفاس متقطعة ونظرات زائغة وأرواح على شفا اللفظة الأخيرة يتناوبون الحديث وينثرون مشاكل الحياة اليومية يرفعون أصواتهم عاليا نظراً لما تتطلبه المهنة، لم أكن أريد لشعوري أن يتسطح عفوياً وتلقائيًا حتى يمضي في العادية تدريجيًا. خفت أن أصل إلى مرحلة المرور بجانب تلك الأسّرة و أنا لا أعبأ، حيث تلك المواضيع الأكثر جدية في الغرف الأكثر مأساوية تُعالج بالضحك. هنالك شيء خفي في الاعتياد هو الذي يضع ويصنع هذه الغرابة السحرية التي يمكن تبريرها بسهولة إذا ما تعمقنا في العلاقات والمواقف أيا كانت. أتساءل هل الروتين يضعنا في أماكن قد لا نرغب أن نكون فيها بالرغم منا ؟ هل الاعتياد ذلك الشيء البسيط يمكنه أن يخلق بأرواحنا " حصانة" أو "مناعة" ضد ما لانحب أن نراه ثم يبسطه ويجعله قابلاً للرؤية ومع الأيام قابلاً للبلع !؟ يتملكني الرعب من الأشياء التي تُنجز بسهولة دونما جهد و مخيلة وبصمت وهدوء وداخل عادة مرتبطة بالأيام تؤدي دورها تروي، وتتم أمام أعيننا بسرعة وبساطة مثل الاعتياد. كثرة الإصرار على شيء يحوله إلى مرض أيضا كثرة الاعتيادية على شيء يحوله إلى نمط يومي بغض النظر عن سلبياته أو العكس، الإنسان بوسعه أن يوقف هذا السيل في حياته إذا شعر أن هناك خطرًا يهدد نسق الدهشة و الشغف. عندما نخاف من أنفسنا أو مما نراه منا في الأخرين ذلك طريق يحررنا بما فيه الكفاية لنواصل حياتنا خارج أسوار قد تحكمنا طويلا، وقد تضعنا في خانة الاعتياد القسري. #رباب_محمد

هناك تعليقان (2):

  1. الأديبة رباب صاحبة قلم نزاري ، ونصوص مدهشة ..

    ردحذف
  2. لامسني النص جداً .. رباب قرينة الأدب والجمال ❤️

    ردحذف