مرت على وفاتي خمس أعوام و نصف الشهر،
مؤخرًا صرت أسمع السكون يأتي من عالم
الدنيا حيث لا مبهجات و لا مشاريع قادمة و حيث لا أحد هناك ليتذكرني .
أنا هنا
أسبح في عالم هادئ ذو فراغ شاسع و برزخ مُتلون متصلٌ بأنابيب هائلة ليس لها قدرة
على نقل الوقت أو المضي قُدما نحو هدفًا ما،
فقط الصمت شعارًا نهائيا في أديم
الأفق .
جسدي تلاشى تبخر و انتهى أمره من الأسبوع الثاني لوفاتي على الأقل، كنتُ
أراه يتقلص يوماً بعد يوم حتى لم يبق منه شيء يُذكر . أنا في عالم مُكتظ بالأرواح
الهائلة لكن لسبب ما أجدني وحدي ،
عفوًا أجدُ روحي وحدي و كأنها تُكمل ما بدأته
في الدنيا من وحدة مفرطة لا يلفها إلا فضاء الحجرة الأخضر .
لا تهمني الحياة الآن
و لا أريد أن أضع قوائم أمنيات كي أحققها هنا و لا تثير بي الانجازات شعورًا
باهظاً ،
تعيش روحي دورها في الاستجابة لهذا المرور السريع المُتدافع إلى حيث
نقطة نهائية
سوف تكون مقرًا لإقامتنا الدائمة في عالم الأنوار و الظلمات هذا ..
أشعر بالملل و لكنه ليس بالمعنى الذي يفهمه الناس في الدنيا ليس بمعنى الاشمئزاز
من الوجود!
أشعر بالملل فحسب بدون قلبي بدون كياناتي التي أحب .
عندما كنتُ في
الدنيا أردتُ تصورًا واضحا لعالم البرزخ لكني لم أجد ما يُطمئن عقلي إذ أنه عالم
من الغيب، ستارٌ كثيف من أنوار و ضياء وعتمة تمتزج بعضها ببعض .
اليوم ، هل قلتُ
اليوم ؟
لا يوجد هنا مكان الوقت نظرًا لإنعدام أفضل التعاريف، كل ما أقصده "
الآن" أي اللحظة التي استشعر بها أن روحي تسكن هذا البزرخ .
هذا المكان يشبه مرج
لا نهائي شيء أشبه بالسُدم البخارية التي تظل عالقة هكذا، و أنا أشعر في قرارة
روحي أن هذا الوضع لن يدوم.
لا أعلم هل أفضّل الطيران بعيدًا أم النوم في مكان
ما، هنا حتى الأمكنة لا يمكن أن تكتسب صفة إلزامية، كل ما أشعر به هواء أو نثار
يمدني بشعور غامض لذيذ ومخيف .
انفصلت عن جسدي و تجاوزتُ هذا المنعطف الأشد
إيلامًا في حياتي السابقة، قد مت و أنا أعيش الآن حالة الموت هذه، الجسد الذي كان
يُغطي روحي في الدنيا صارسرابًا مجرد حطام أو شذرات تحولت إلى نقاط فضية هشة تطير
كلما واجهها السديم .
روحي الآن طائرة أحيانا تتلقفني لأحس بها في وجه أعاصير
عظيمة، أحيانا تتفتت تُضرب إلى العمق ثم بعد لحظة أشعرُ بها أنيقة ناعمة مُتراصة
كـ فروة قط راغدول!
أصبحت أرى بأصابع روحي يبدو أن الرؤية بالأصابع مهارة تُكتسب
في عالم البرزخ، أعتذر قد يُفهم كلامي أن هناك قواعد مُعينة أو أسلوب حياة كل ما
اعرفه أن التناثرهو ما تحسه أرواحنا ..
عرفت أناس كُثر هنا أقصد أرواحًا كثيرة
لكني ما زلتُ في حاجة إلى من يهزني بعمق يُشعرني أن روحي ستكون بخير و في مأمن .
روحي متحررة،
,بما يخص الألم كان لدي منه أكثر مما يلزمني في الدنيا أما هنا فهو
يأتي على دفعات بسيطة أحيانا و أحيانا أخرى ضخمة لكنه يدعني و شأني في النهاية .
و
بينما أنا أطير أو روحي تطير فجأة لمع شيء في ذهني شيء كنتُ أعرفه أردتُ أن أتشبث
به بكل ما أمكنني من طاقة، مر من ناحيتي فشعرت بالاطمئنان خمنتُ أنه قد يكون ريحًا
طيبة انتقلت حديثًا هنا ..!
أشعرُ بأنني بدأت أن أنسى قد يكون هذا من مسوغات
الإقامة في هذا المكان قد أنسى اسمي ! فالخيال شبه معدوم هنا و أيضا التذكر إذ لا
حاجة للأموات للتذكر ! فقط نحن نتذكر من يتذكرنا ..
أريدُ أن أتذكر كيف جئتُ إلى
هنا ؟
كيف توفيتُ و انتقلت إلى العالم الآخر ؟
الشيء الذي لا أنساه أني كنتُ لا
أخشى الموت و لكني كنت أخاف الطريقة التي سأموت بها ..
كان كل ما أريده تأمين
موتٍ رقيق لي دون تشوهات و دون أن أضع في قلوب من حولي ماسأة دائمة ..
آه يبدو
أني تذكرت كيف أتيتُ إلى هنا، لقد عثر الأطباء في دمي جرعة فائضة من ذكريات
مسمومة ففاضت روحي على أثرها، أتذكر حين كتبوا في شهادة الوفاة هذه الإفادة : قد
توفيت بسبب ارتفاع في نسبة الأدرينالين مما أدى إلى زيادة نبضات القلب في الدقيقة
السبب الذي أدى إلى الوفاة ..
ثم أكدوا ذلك بالساعة و اليوم و التاريخ .
من
الممكن أنني غادرتِ الحياة الدنيا في وقت مبكر نسبيًا لكني لا أحزنُ على ذلك
لأنني طالما اعتبرتُ الموت لقمة ناشبة في الحلق، آهة علي أن أؤديها، شيء صعب
يجب أن أقوم به ثم أرتاح بعدها، اختبار من المهم أن احضره ثم ليكن بمقدوري بعده أن
أعيش، لنرَى !
أعود إلي في البرزخ، أتذكر من يعودون إلى بيوتهم في الدنيا و يجدون
من يفرح بهم و يعيد إليهم إنسانيتهم،
هنا أستشعر و قد أتأكد لأول مرة أن للذاكرة
رائحة ليست ككل الروائح، تعمل ذاكرتي في محيط منفصل عن روحي، لا أعلم إن كنتُ
أسيطر على أجزائي أم لا في هذا العالم الخالي من التضاريس أو من أي شيء يمكن
الإتكاء عليه .
و أنا أعيد فتح سجلات الذاكرة بصعوبة بالغة، التذكر هنا مهمة شاقة
لا أعلم أين من أحب ؟
لماذا بهتت أصواتهم ؟
كنتُ أعزي روحي أن أمور الدنيا و
إلتزاماتها تنزع الفرد حتى من نفسه، تمنيت في تلك اللحظات لو أن هناك جبالًا في
البرزخ ألوذ إليها بروحي الهشة .
جئت إلى هذا العالم و ما زلتُ أحفظ ما ترمز إليه
تلك الغيوم في الدنيا إذ اسمع همسًا يعبر عنها قائلا: إن تلك السُحب تعني حبًا
خالدا و هوى شديدًا لا يمكن أن يدوم طيلة العمر و لا يمكن اصطحابه إلى هذه المناطق
الباردة .
قد أصر على وحدتي في هذا العالم ولا أعرف مالذي يدعوني إلى التمسك بهذه
الثيمة ؟!
أو هو الغموض الذي يلف عالمي الجديد أو الشعور بأن روحي ستظل هائمة إلى
أن تقوم القيامة و يعود جسدي إلي !
مرة أحسست بالفزع الشديد لكن غيمة ممطرة
تتوالى علي تخبرني أن ما من شيء يطمن القلب مثل العودة إلى الله، كانت روحي تبكي
مصابة بخيبة ممزوجة بفرح دفين حين استشعرت أن بإمكاني أن أعود إلى الله و أنه
سيكون ضمادي في رحلتي الشائكة تلك،
خيبة من الزمن المطفأ و فرحة بأن الله معي .
كنتُ في الدنيا عندما يُحاصرني الفقد استنجدُ بعزلتي بالمخبأ بالكتب، كنتُ أدرك
بعمق شديد أن أكبر حماية من الجنون و الموت المجاني هو الكتاب،
أنا الآن أقرأ في
كتاب روحي، و كتب عالمنا كتب نوعية خالصة لكل روح قد لا يكون بينها قصائد شيلر
التي تزيد قلبي هشاشة . علمي محدود و قاصر حتى في الزمن الذي بوسع الأرواح أن
تعرف أكثر،
لكن هنا ميزة و هي أن كل شيء يبدو واضحًا كالماء، فالفضاء محسوس و
السديم و الدخان الذي يحيط بنا يدخل إلى الرئات، ينفض عنا غبار الدنيا و سقمها و
عدم أهليتها بما نواجهه الآن .
هنا كل شيء يتغير كلما قدمت أرواح جديدة إلى
البرزخ
التغيير ليس صفة للأشياء بل أسلوب وجود .
قد تكون روحي بعد عدة أعوام ليست
ما هي عليه الآن، يحوطني يأس يجعلني بحاجة دائمة إلى الشعور بالآمان، الطيران
بدون جسد يجعلني ارتعد لأن الجسد هو جزء من الروح الواقعة ضمن مداركنا الحسية .
ما
أجمل أن تحس بكل شيء حولك إنه أشبه بأن تكون صبرا استشهد حين تولت سُبل الفرح إلى
الأبد .
و من ثم ما هو الأبد ؟
حسنًا لا يمكن قول الكثير عن نظرة ما ! نعم الأبد
مجرد نظرة أو قفزة يمكن الروح أن تشعر أنها بلغت ذروتها داخله ثم انطفئت..
قد
يعتقد الدنيويون أن مثل هذه العبارات رنانة، و عندما يتفلسفون يعمدون إلى نسيان
كل شيء مألوف، إذ لا وجود للأبد في حيز وقتنا الطائر هذا ..
يحين الوقت لكي تخرج
كل روح سيرتها الذاتية و الصمت المطبق على الأرواح يساعد في ذلك حيث نمضي جميعنا
إلى متاهة السكون المطلق . يمرني حزن مضيء متداع بذاته فحسب، حزن يحتل كل شيء حتى
دواخل الأرواح الطفولية، لكنه يتلاشى في حالة إن تذكرنا أحد من سكان الدنيا ..
#رباب_محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق