الأحد، 26 يناير 2020

هكذا عندما تقول لك الحياة كل شيء دفعة واحدة يجب أن تتنبه لقلبك ، أن تتخذ من أقصى درجات الوعي شهيقًا لأعتى نزلات الحزن و هزاته .
‏في تلك الدرجة العالية من الإنصهار يغلي القلب تحت جلد جاف ، كأنما يتقشر ! 
‏كأنما يهب نفسه للنار ، بالرغم من كونك على أعلى هام عقلك إلا إن قلبك ينزلق ممسكا بخطام فكرك ، يقع ، يطيح ، تسمع صوت تكسره و هو يتحطم و هو ينسحق بالأرض و يهوى من حالق ! 

‏هكذا الحياة حينما تظن أنك تملك لو شيء يسير من السلام ، تأتي لتنشب أنيابها في ضحكتك الغضة ، المتهاوية أصلا ،
‏هكذا عندما يعتريك أي فرح نسبي كان أو هادئ عظيم لا بد أن تُطفئ الأنوار و تبكي ..
‏وحين يتمكن الألم لا تسمعه يخاطبك كروح أيضا ، بل يخاطب صوته كل دمك و عظامك ، فهو يعريك حتى من نفسك من بسمتك من أي شيء يمكن أن تتقي به حرمان الحياة و سخريتها المتواصلة ، 
‏هذا أيضا بالرغم من موقعك ! 
‏و بالرغم من كونك إنسان انطوى فيك العالم الأكبر و بالرغم مما تراه حولك مسخر لك !
‏فمثلا الأرض لك ، الهواء الماء حتى التأمل ، حتى نقرة يديك على المكتب ، خطك مثلا و أنت تكتب عبارة ما 
‏تدفق العطش في زوايا أعصابك ، ترنمك بشدو أهزوجة ، عمارتك للأرض بشكل عام ، 
‏إلا إنك بالرغم من كل ذلك أصغر من أن تواجه ألم صُوب نحو قلبك بإتقان ! 

‏الحياة من ظاهرها تدعوك للقوة ، لكن في باطنها تدكك دك ، تنزعُ عنك لحاءك تُصيبك بالبرد المزمن في العظم تسخر من إنجازك تدفعك قسرًا للحضيض المعنوي و تشير بأصابعها إليك أيها الإنسان القزم قائلة بكل ما فيها من جبروت : 
‏هيا أيها الصغير أراني ما لديك ! 

‏و بالرغم من كل هذا نحن كبشر نحب أن نستعلي ( كفئة غالبة ربما ) ، نحب أن يكون لدينا تلك النزعة للجفاء ، نحارب بَعضُنَا و ألسنتنا تدور نحو المشانق ، نقدم غيرنا للمقصلة و المحتاج إلينا نركته وراء ظهورنا و نمضي ! 
‏تعلمك الحياة في مرحلة صغيرة ( ليس من المشروط أن تعلمنا الحياة كل شيء و نحن على أعتاب الستين أو السبعين مثلا ) 
‏ربما نستوعب الدرس و نحن نخطو إلى ما نسميه ريعان الشباب و القوة ! 
‏المهم أنها تعلمنا أنه مهما كانت هناك مهرجانات من ثقة رغيدة لابد أن تقوم قيامتها في أحبّك ( من الحبكة ) و أصدق جزء من الثقة بل في أقرب جزء في أصدق جزء ! 
‏هل يمكنك أن تتخيل هذا ؟
‏هل تتصور كمية ما يمكنك استيعابه! أو بنحو ألطف قليلا : استساغته!؟

‏نحن بالجزء الأصدق من الحقيقة قتلة متسلسلين !!
‏كل إنسان فينا أو فلنقل ( غالبيتنا ) قاتل بنحو أو بأخر ! 
‏بالرغم مما يدعيه من مثالية أو إنسانية أو شهادات أو زهو أو حتى تدين ! 
‏كلنا لا نخلو يوماً من أموات يمشون في صدورنا قد نهباهم حق الفرح ، قد قتلنا بداخلهم يوما شعاع من السعادة ، قد أقصاينهم حين لم نكن نحن ! 
‏قد اعتمرنا قلوبهم و من ثم في نزق و علو مزقنا تلك القلوب بصلافة و برود ، ثم نذهب للحياة المتواصلة و رصيد القتلى في علو ومنسوب الانسانية في نقصان !
‏هذه الإشكالية التي يمارسها الأغلب ، عفوا سأكون تفاؤلية و أقول (البعض )، مثل مرض سريع الانتشار تبدو معه الترتيبات الاحتياطية نموذج للإبتذال و "الهياط"!

‏مكسورين نحن ! 
‏و نفرغ كسرنا بطرق عكسية للتخلص فقط من آثار هذا الكسر ! 
‏فيستمر القتل في زفرة خانقة في وجه صباح !
‏و خبطة يدين قوية على جماد مسكين !
‏أو قطف غصن أخضر ما زال يحلم بحياة سعيدة و شجرة مكتملة النمو ! 
‏أو في بتر ضحكة طفل شع الفرح بقلبه أو بركلة غبية لقطة انتهى مصيرها بالدعس و الدهس ! 
‏و نتساءل في ذهول : أهذا نحن ؟ 
‏كيف تحول الحنان المبالغ فيه إلى قسوة ! 
‏هل ما كان بالأمس أصبح اليوم هشيما تذروه الرياح؟ 
‏كل ما أعلمه أن المزيد من العلم سبب رئيس للألم و أنه كلما أخذت نصيبك من العمق و الفهم كلما كان وعيك مصابًا بشكل مباشر ! 
‏كلما كُنتَ أقرب على الحافة كلما استيقظت فيك مئات المشاعر المتنافرة المتضادة و أنت تعلو قلبك ترى و تُشاهد و تنظر و تحاول أن تُركِّز و النهاية تخرج خالي الوفاض تصفق كفًا بكف ؟!

‏سنين مضت خلعت قلبي بالوعي تستخرجه من أعماق روحي لتدفع به نحو وجهي قائلة لي في وضوح تام : 
‏هذا هو النضج هذه هي أنا الحياة التي أقلب الجميع على صفيح ساخن ليلا و نهارا حتى يتمكنوا من استيعاب فكرة واحدة ..

‏ملاحظة : حين الإنتهاء من كتابة هذه الحروف أتوجه للحياة و ابتسم و في لامبالاة أضحك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق